دكتور عبد العزيز الدوري

54

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

أمر عمرو أن يؤتى بألوان الطعام في مصر وعمل وليمة عظيمة وجاء الأقباط فجلسوا إلى ذلك الطعام وأصابوا منه . فلما فرغوا قال عمرو للقبط : « قد علمت أنكم ترون في أنفسكم أمرا تريدون به الخروج ، فخشيت أن تهلكوا . فأريتكم كيف كان العرب في بلادهم وطعامهم من لحم الجزور ، ثم حالهم بعد ذلك في أرضكم وقد رأوا ما فيها من ألوان الطعام الذي رأيتم . فهل تظنون أنهم يسلمون هذا البلد ويعودون إلى ما كانوا فيه ! إنهم يسلمون قبل ذلك حياتهم ويقاتلونكم أشد القتال » « 12 » ومع أنّ هذه مناورة واضحة من عمرو فإنّ فيها من الدلالة ما يكفي لغرضنا . سقنا هذه الأمثلة لنبين أنه كان للعامل الاقتصادي أثر في تدفق العرب ، ومع أننا نرى الدوافع عديدة ومشتبكة إلا أننا نعدّ التوجيه والتنظيم الإسلامي قاعدة التوسع العربي . ولن نمر دون الإشارة إلى نظرية ونكر وكيتاني ( وقد أخذ بها بيكر ) وهي أنّ توسع العرب لم يكن حركة مفاجئة ، إذ إنّ الهجرة إلى الهلال الخصيب كانت مستمرة ولكنها بطيئة . وقد كانت هناك هجرات سلمية كثيرة خلال فترة طويلة من الجزيرة إلى الأراضي الخصبة . وهذه الهجرات خلقت للبيزنطيين وللساسانيين مشكلات كبيرة على الحدود . فحاولت كل من الدولتين تنظيم حركة الهجرة بشكل يجعلها مفيدة لها . فكوّنت إمارتين أو مملكتين للمناذرة والغساسنة لتقف في وجه القبائل النازحة . ولكن قصر نظر الدولتين جعلهما يهملان شأنهما في أواخر القرن السادس للميلاد ، بل يضعفانهما ، فخرق السد وفتح الباب أمام القبائل النازحة . أمّا الإسلام فلم يأت بشيء جديد لهجرة العرب ، بل أتى بشعار جديد وبتنظيم جديد ، فكان بذلك سببا في نجاح القوات الإسلامية العظيم في الفتح . فالفتوحات العربية هي آخر هجرة سامية كبيرة ناتجة من تدهور الأحوال الاقتصادية في الجزيرة . ولا صحة للفكرة الشائعة من أنّ الفتوحات الإسلامية معناها نشر الإسلام ، فالذي نشر لم يكن الدين الإسلامي بل سيادته السياسية ، يؤيد ذلك عدم وجود حركة تبشيرية خلال الفتوحات وبعدها . ونحن نرى في أسس هذه النظرية تأييدا لرأينا . فالصراع بين البادية والحاضرة أو زحف البادية على الحاضرة قديم ، والموجة العربية ، إن جاز هذا التعبير ، بدأت

--> ( 12 ) ألفرد جوشيا بتلر ، فتح العرب لمصر ، عربه محمد فريد أبو حديد ( القاهرة : دار الكتب المصرية ، 1933 ) ، ص 242 .